ابن قيم الجوزية

128

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

من قدره ، وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره . ولو استسلم العبد لقدر الجوع ، مع قدرته على دفعه بقدر الأكل ، حتى مات : مات عاصيا . وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره . وأمر بدفعها بأقدار تضادها ، والدافع والمدفوع والدفع من قدره . وقد أفصح النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذا المعنى كل الإفصاح ، إذ قالوا : « يا رسول اللّه ، أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى نسترقي بها ، وتقى نتقي بها هل تردّ من قدر اللّه شيئا ؟ قال : هي من قدر اللّه » . وفي الحديث الآخر : « إن الدعاء والبلاء ليعتلجان بين السماء والأرض » . وإذا طرق العدوّ من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر اللّه ، أفيحل للمسلمين الاستسلام للقدر ، وترك دفعه بقدر مثله ، وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر اللّه بقدره ؟ . وكذلك المعصية إذا قدّرت عليك ، وفعلتها بالقدر . فادفع موجبها بالتوبة النصوح ، وهي من القدر . دفع القدر بالقدر ودفع القدر بالقدر نوعان : أحدهما : دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه - ولما يقع - بأسباب أخرى من القدر تقابله . فيمتنع وقوعه . كدفع العدو بقتاله . ودفع الحر والبرد ونحوه . الثاني : دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله ، كدفع قدر المرض بقدر التداوي . ودفع قدر الذنب بقدر التوبة . ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان . فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار ، لا الاستسلام لها ، وترك الحركة والحيلة . فإنه عجز واللّه تعالى يلوم على العجز ، فإذا غلب العبد ، وضاقت به الحيل . ولم يبق له مجال ، فهنالك الاستسلام للقدر ، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء ، وهنا ينفع الفناء في القدر ، علما وحالا وشهودا ، وأما في حال القدرة ، وحصول الأسباب ، فالفناء النافع : أن يفنى عن الخلق بحكم اللّه ، وعن هواه بأمر اللّه ، وعن إرادته ومحبته بإرادة اللّه ومحبته ، وعن حوله وقوته بحول اللّه وقوته وإعانته ، فهذا الذي قام بحقيقة « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » علما وحالا . وباللّه المستعان . أسرار حقيقة التوبة قال صاحب المنازل « وسرائر حقيقة التوبة ثلاثة أشياء : تمييز التّقيّة من العزّة ، ونسيان الجناية ، والتوبة من التوبة . لأن التائب داخل في « الجميع » من قوله تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النّور : 31 ] فأمر التائب بالتوبة » . تمييز التقية من العزة : أن يكون المقصود من التوبة تقوى اللّه . وهو خوفه وخشيته ، والقيام بأمره ، واجتناب نهيه . فيعمل بطاعة اللّه على نور من اللّه ، يرجو ثواب اللّه ، ويترك معصية اللّه على نور من اللّه يخاف عقاب اللّه ، لا يريد بذلك عزّ الطاعة . فإن للطاعة وللتوبة عزا ظاهرا وباطنا . فلا يكون مقصوده العزة ، وإن علم أنها تحصل له بالطاعة والتوبة . فمن تاب لأجل العزة